الحلبي
141
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
حين رجعت به إلى أمه بعد فطامه ، فنظروا إليه وقلبوه : أي رأوا خاتم النبوة بين كتفيه وحمرة في عينيه ، وقالوا لها هل يشتكي عينيه ؟ قالت ، لا ولكن هذه الحمرة لا تفارقه ، ثم قالوا لها : لنأخذن هذا الغلام ، فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا ، فإن هذا الغلام كائن لنا وله شأن ، نحن نعرف أمره ، فلم تكد تنفلت به صلى اللّه عليه وسلم منهم وأتت به إلى أمه . وعنه صلى اللّه عليه وسلم « واسترضعت في بني سعد ، وفبينما أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا ، أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بيد أحدهما طست من ذهب مملوءة ثلجا فأخذاني فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها ، أي وقيل هذا حظ الشيطان منك يا حبيب اللّه » وفي رواية « فاستخرجا منه علقتين سوداوين » أي ولا مخالفة ، لجواز أن تكون تلك العلقة انفلقت نصفين . وفي رواية « فاستخرجا منه مغمز الشيطان » أي وهو المعبر عنه في الرواية قبلها بحظ الشيطان . ولا ينافي ذلك قوله في الرواية السابقة « ولا أدري ما هو » لجواز أن تكون إخباره صلى اللّه عليه وسلم بهذا بعد أن علمه ، والمراد بمغمز الشيطان محل غمزه : أي محمد ما يلقيه من الأمور التي لا تنبغي ، لأن تلك العلقة خلقها اللّه تعالى في قلوب البشر قابلة لما يلقيه الشيطان فيها فأزيلت من قلبه فلم يبق فيه مكان لأن يلقى الشيطان فيه شيئا فلم يكن للشيطان فيه حظ ، وليست هي محل غمزه عند ولادته صلى اللّه عليه وسلم كما يوهمه كلام غير واحد . وفيه أنه هذا يقتضي أن يكون قبل إزالة ذلك كان للشيطان عليه سبيل . أجاب السبكي بأنه لا يلزم من وجود القابل لما يلقيه الشيطان حصول الإلقاء ، أي بالفعل فليتأمل . وسئل السبكي رحمه اللّه تعالى : فلم خلق اللّه ذلك القابل في الذات الشريفة وكان من الممكن أن لا يخلقه اللّه فيها ؟ وأجاب بأنه من جملة الأجزاء الإنسانية فخلقت تكملة للخلق الإنساني ، ثم نزعت تكرمة له صلى اللّه عليه وسلم : أي وليظهر للخلق بذلك التكرمة ليتحققوا كمال باطنه كما تحققوا كمال ظاهره : أي لأنه لو خلق صلى الله عليه وسلم خاليا عنها لم تظهر تلك الكرامة . وفيه أنه يرد على ذلك ولادته صلى اللّه عليه وسلم من غير قلفة . وأجيب بالفرق بينهما بأن القلفة لما كانت تزال ولا بد من كل أحد مع ما يلزم على إزالتها من كشف العورة كان نقص الخلقة الإنسانية عنها عين الكمال ، وقد تقدم كل ذلك . وذكر السهيلي رحمه اللّه ما يفيد أن هذه العلقة هي محل مغمز الشيطان عند الولادة حيث قال : إن عيسى عليه الصلاة والسلام لما لم يخلق من منيّ الرجال وإنما